Wednesday, November 28, 2012

تدبير الشأن العام الترابي ومبدأ الشراكة


العباس الوردي
إن مفهوم الشأن العام,ليخص كل القضايا التي ترتبط بصفة مباشرة بالمعيش اليومي للمواطنين ويتم تدبيرها من طرف الدولة والهيئات العامة على صعيد كافة تراب للدولة,والتي نذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر :الخدمات الصحية ,الاجتماعية ,التربوية الثقافية, الادارية وغيرها,أما فيما يتعلق بمفهوم الشأن العام الترابي فنجده يخص جميع القضايا المرتبطة بالشأن العام الوطني ولكن بصيغة ترابية ضيقة ,وبالتالي فهو يعنى بتدبير الخدمات العامة الترابية.

لقد أصبحت الجماعات الترابية متدخلا رئيسيا في مختلف مظاهر الحياة العامة على المستوى الترابي ,هذا الدور الطلائعي اكتسبته نتيجة لمجموعة من المتغيرات التي شابت المنظومتين الدولية والوطنية, سواء تعلق الأمر بالمتغيرات السياسية الاقتصادية أو الاجتماعية.

لقد نصت مختلف التوصيات المتضمنة في التقارير الصادرة سواء عن البنك أو الصندوق الدوليعلى ضرورة اشراك فاعلين اخرين في حل اشكالية التنمية والنمو ,كما أنه في السنين الأخيرة طغا الفكر السياسي الليبرالي على منظومة التدبير السياسي الدولي منطلقا من فكرة المشاركة السياسية واعتبارها دعامة من الدعامات الأساسية التي تقوم عليها دولة الحق والقانون في السنين الأخيرة ,مما يفهم معه بأن اشراك الساكنة قد أصبح مهما في مجال تدبير القضايا الانية والمستقبلية للجماعات الترابية.

استنادا الى التطورات المهمة التي عرفتها الحياة السياسية الاقتصادية الاجتماعية ثم الثقافية,شهد منهاج الدولة الحارسة أوالدركيةتراجعا ملحوظا في السنين الأخيرة و ثم تعويضه بمنهاج الدولة المتدخلة, الأمر الذي يمكن تفسيره بحدة الضغط الذي تعرض اليه ميدان الانفاق العمومي المقترن بسوء التدبير هذا علاوة على تجذر مشكل المديونية , وبالتالي وسعيا منها الى اعتماد مقاربة جديدة في التعاطي مع المشاكل التدبيرية التي تحد من فعالية و جودة الخدمات الترابية, قامت الدولة باعتماد ترسانة قانونية جديدة منحت من خلالها للجماعات الترابية صلاحيات وامكانيات جديدة في مجال تدبير الشأن العام الترابي وذلك اما بتدخلها المباشر أو عن طريق الشراكة مع متدخلين اخرين.

ان المتغيرات الدولية ,جعلت من صفة الاستعجالية طابعا أساسيا في مجالات تدبير شؤون المواطنين الأمر الذي نجده قد أثر وبصفة مباشرة على مناهج التدبير الترابي التقليدية التي أبانت عن فشلها في انتاج خدمات ترابية فاعلة وفعالة,مما نتج عنه بدأ التفكير بضرورة اعادة النظر في سياسات التسيير الترابي.

لقد أشار الميثاق الجماعي لسنة 2009 في مادته 78 على أنه :"بإمكان الجماعات الحضرية والقروية ومجموعاتها أن تبرم فيما بينها أو مع جماعات ترابية أخرى أو مع الادارات العمومية أو المؤسسات العمومية أو الهيئات غير الحكومية ذات المنفعة العامة, اتفاقيات التعاون أو الشراكة من أجل انجاز مشروع أو نشاط ذي فائدة مشتركة لا يقتضي اللجوء الى احداث شخص معنوي خاضع للقانون العام أو الخاص, وتحدد هذه الاتفاقيات بالخصوص الموارد البشرية والمالية التي يقرر كل طرف تعبئتها من أجل انجاز المشروع أو النشاط المشترك".

اذن ,يتبين لنا بأن الشراكة تعتبر من بين أحد أهم الاليات الاجرائية الجديدة في مجالات تدبير الشأن العام الترابي والتي تسمح بدورها بالعمل الجماعي المشترك بين مختلف الأطراف المتدخلة في تنفيذ مشروع تنموي ترابي بهدف تحقيق أهداف مشتركة.

لقد ظهر مفهوم التدبير التشاركي كمنهاج استعجالي جديد في تدبير مجالات تدخل الجماعات الترابية ,هذا المنهاج قد عرفه danielleberegue بأنه:" اتفاق بين الفاعلين العامين والخواص على العمل بشكل جماعي من أجل انجاز هدف معين بفعالية مع اقتسام الموارد ,المخاطر والأرباح".

انه وبالرغم من تعدد التعاريف الواردة بشأن مفهوم التدبير التشاركي, الا أننا نجدها تتفق مجتمعة على مبدأ تقاسم المخاطر والموارد بين الشركاء, ومن هنا فالشراكة الحقيقية هي التي تجمع كفاءات مختلف الفاعلين وتضع امكانيات مالية تقنية وبشرية من قبل عدة شركاء بهدف انجاز مشاريع مشتركة في عدة ميادين اجتماعية, اقتصادية وثقافية.

تنطوي الشراكة الترابية على بعدين أساسيين, يكتسي أولهما طابعا تمويليا يمكن الجماعات الترابية من الحصول على تمويل لمشاريعها الاقتصادية والاجتماعية الترابية بهدف تقديم خدمات تستجيب وتطلعات المواطنين ,أما فيما يتعلق بالبعد الثاني فنجده يكتسي طابعا تنمويا تتمكن من خلاله الوحدات الترابية من تحقيق أهدافها التنموية عن طريق دعم ومساعدة هيئات أخرى خاصة هيئات المجتمع المدني بحيث أصبحت هذه الأخيرةتقوم مقام الوحدات الترابية في تنفيذ مشاريع تنموية ترابية, وبالتالييتضح لنا جليا بأن أهمية الشراكة الترابية تتجلى أساسا في تحسين مستوى عيش السكان من خلال تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية الترابية بما يضمن استفادة سكان الجماعة من المنافع التنموية على قدم المساواة من جهة ,كما تساهم في تنمية العلاقة بين الجماعة الترابية كطرف رئيسي في عملية الشراكة وبين مختلف الفاعليين المحليين الوطنيين ولمالا الدوليين من جهة أخرى.

انه وبالرغم من اعتماد الجماعات الترابية المغربية على منهاج الشراكة في تدبير شؤون تنميتها الترابية ,الا أن هناك مجموعة من المعيقات التي لا زالت تعوق مسلسل تنميتها الاقتصادية والاجتماعية ,والتي نذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر :

- عدم تقدير الكلفة المادية والبشرية المناسبة لتنفيذ الشراكة ;
- النقص في مجال التدبير والتخطيط الجماعي وتسيير المشاريع التنموية, بحيث أن تدبير الشراكة لطالما تم بين مؤسستين مختلفتي البنية والاهتمامات ;
- صعوبة انصهار الثقافة التنظيمية المختلفة للشركاء ;
- وقوع منازعات داخلية بين الشركاء ,مما يمكن ارجاعه الى عدم استيعاب الأفراد والمسيرين للاختلافات التنظيمية والبنيوية للمؤسسة الفاعلة في الشراكة الترابية ;
- عدم الدقة في تحديد وتوزيع الأدوار بين الشركاء ;
- التوفر على معلومات خاطئة فيما يتعلق بالمجال الترابي من جهة, ومؤهلات الشريك من جهة أخرى الخ….

ان الشراكة الترابية, لا يمكن أن تصل الى تحقيق الأهداف المرجوة منها الا اذا توفرت الثقة بين جميع الشركاء في العمل التنموي, مما يلزمبضرورة التعامل في اطار من الشفافية يجعل من الشراكة الية أساسية للنهوض بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للساكنة,ومن هذا المنطلق لا بد للفاعلين في المجالات الخاصة بالشؤون الترابية من اعتماد مقاربة تشاركية تسمح بدمج المواطنين بشكل مباشر في رسم مسار وتحقيق أهداف التنمية الترابية, الأمر الذي لن يتم تحقيقه الا بأشراك حقيقي لمنظمات المجتمع المدني باعتبارها وحدات للقرب المواطن في تدبير الشأن العام الترابي من جهة وتشجيع الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص الوطني المحلي من جهة أخرى.

No comments :

اضافة تعليق

الرجاءالتعليق باللغة العربية الفصحى

page

جميع الحقوق محفوظة © 2013 مدونة القانون المغربي
تصميم : يعقوب رضا