Saturday, November 17, 2012

دور القاضي في تتبع الحدث


دور القاضي في تتبع الحدث



لبيان دور القاضي في تتبع الحدث من خلال النقط المحددة في الكتاب ينبغي أولا بيان الغاية التي ينشدها المشرع من إعطاء هذا الدور الحيوي للقاضي، فالغاية المتوخاة من سن قواعد خاصة بالأحداث أعلن عنها المشرع في ديباجة قانون المسطرة الجنائية في النقطة السادسة المتعلقة بالتوجهات الكبرى لحماية الأحداث وهي حماية الأحداث الجانحين وتقويم سلوكهم بقصد إعادة إدماجهم في المجتمع ووسع من مجال هذه الحماية لتشمل كلا من ضحية الجريمة والأحداث في وضعية صعبة.

وعليه فإن المشرع اهتم بالجانب الوقائي المتمثل في حماية الحدث من الانحراف كوسيلة وقائية، كما اهتم بالجانب العلاجي وهو تأهيل الحدث وإعادة إدماجه في المجتمع إذا ما تعرض للانحراف.

ولتحقيق هذه الغاية نص المشرع على مجموعة من التدابير والإجراءات. وتمشيا مع النقط المحددة في الكتاب فإنه سيتم الحديث حصرا عن النقط المذكورة.

أولا: ضرورة تفعيل دور قاضي الأحداث في زيارة وتفقد الأحداث المودعين بمركز حماية الطفولة:

هذا الإجراء يجد سنده القانوني في المادة 473 من قانون المسطرة الجنائية وبالضبط في فقرتها الأخيرة والتي تنص على أنه يجب على قاضي الأحداث أن يقوم بتفقد الأحداث المعتقلين وكذا الأحداث المودعين بالمراكز والمؤسسات المخصصة لاستقبال الأحداث والمشار إليها في المادتين: 471 و 481 مرة كل شهر على الأقل.

فبناء على هذه المادة يتبين أنه على قاضي الأحداث أن ينظم زيارات إلى الأحداث في مختلف المؤسسات المذكورة بغرض الإطلاع على أحوالهم وتفقدهم والوقوف على مختلف البرامج التربوية وسير أعمالها ومدى نجاعتها وملاءمتها.

وهنا لابد من طرح السؤال التالي هل يتم تفعيل هذا الإجراء أم لا؟.

نعتقد أن هذا المقتضى يختلف مدى تفعيله بين محكمة وأخرى بالنظر لبعد المراكز أو قربها من المحكمة وخاصة فيما يتعلق باحترام مدة الشهر المنصوص عليها في القانون، ولتفعيل هذا الإجراء ينبغي أن يوضع سجل لهذه الزيارات على غرار السجل الخاص بتفقد المعتقلين احتياطيا من طرف قاضي التحقيق وتضمن به كافة الملاحظات التي تظهر للقاضي عند الزيارة، والإشارة إلى تنبيه المسؤولين بالمؤسسات التربوية إليها ليتم التأكد من أخذها بعين الاعتبار في الزيارات اللاحقة.

 وتفقد الأحداث يستوجب بالضرورة أن يتوفر قاضي الأحداث على جذاذة خاصة بكل حدث تحتوي على المعلومات الكافية عن شخصيته وقضيته ونوعية التدابير المتخذة في حقه وتطورها حتى يمكنه أن يستفسر المسؤولين بالمركز عن مدى التطور الحاصل في العلاج التربوي ليتخذ على ضوء ذلك ما يراه مناسبا وفق ما جاء في النقطة الثانية.

ثانيا: ضرورة الإقدام تلقائيا على تغيير التدبير المتخذ في حق الأحداث كلما اقتضى الأمر ذالك:

هذه النقطة تجد سندها القانوني في المادة 501 من قانون المسطرة الجنائية. فمادام أن الهدف من اتخاذ التدابير المنصوص عليها قانونا سواء في إطار المادة 471 أو المادة 481 من قانون المسطرة الجنائية هو تقويم انحراف الحدث الجانح، فإن عمل القاضي ينبغي أن لا ينتهي بإصدار حكم باتخاذ تدبير معين ويطوي الملف معتبرا أن مهمته قد انتهت. بل على العكس من ذلك ينبغي أن يبقى الملف مفتوحا و يتتبع القاضي تنفيذ التدابير المتخذة للتأكد من مدى فعاليتها في تقويم الحدث. ولا تنتهي مهمته إلا ببلوغ الهدف المنشوذ وهو تأهيل الحدث وإعادة إدماجه في المجتمع أو بلوغه سن الرشد الجنائي. فالتتبع هو الذي يحقق الفعالية ويضمن النتيجة. فمادام أن العمل التربوي هو عمل ينصب على الإنسان وعلى محيطه فإن التدابير المتخذة تكون ذات فعالية نسبية ولهذا على القاضي أن يتدخل لتغيير التدبير بتدبير آخر قد يظهر أكثر ملاءمة كلما ظهر له بأن التدبير الأول غير ناجح. وينبغي أن يبادر قاضي الأحداث لاتخاذه تلقائيا ولا يكون في حاجة لانتظار تقديم طلب بذلك، إلا أنه مع الأسف هذا المقتضى غير مفعل. فالقضاة عادة ما ينتظرون تقديم طلبات في الموضوع من أولياء الأحداث أو المسؤولين بالمؤسسات التربوية دون أخذ المبادرة تلقائيا.

وحتى يقوم القاضي بهذا الدور ينبغي أن يكون على اتصال دائم بالمربين والمسؤولين التربويين بشأن الأحداث عن طريق التقارير أو حتى بالاتصال المباشر. فهذا التواصل هو الذي يمكن من إيجاد الحلول واتخاذ التدابير المناسبة في الوقت المناسب.

ولأهمية مبدأ التتبع وضمانا للنهوض به فإن المشرع خرج عن قواعد الاختصاص المحلي العادية.

ثالثا: اختصاص قاضي المكان في تتبع الأحداث المودعين في دائرة نفوذه

 أعطى المشرع الصلاحية لقاضي الأحداث لتتبع حالة الأحداث المودعين في المؤسسات التربوية في دائرة نفوذه ولو كانوا وافدين من محاكم أخرى بعيدة بحيث يقوم هذا القاضي بتفويض من القضاة المكلفين بقضاياهم بالبث في دعاوى تغيير التدبير بل وأعطاه في حالة الاستعجال صلاحية اتخاذ كل تدبير مؤقت في مصلحة الحدث بناء على ملتمس النيابة العامة وإشعار القاضي أو الهيئة المكلفة بقضية الحدث وفق ما تنص عليه المادة 503 من قانون المسطرة الجنائية.

نعتقد أن هذا المقتضى يفعله بصفة أساسية المسؤولون بالمؤسسات التربوية حيث يتقدمون بملتمسات في الموضوع إلى قضاة الأحداث والمستشارين المكلفين بالأحداث.

كل هذه النقط التي تمت الإشارة إليها أعلاه ينبغي للنيابة العامة أن يكون لها دور أساسي فيها وهو ما يقودنا للحديث في النقطة الرابعة من هذا المحور.

رابعا: ضرورة حرص قاضي النيابة العامة على تتبع تنفيذ القرارات والأوامر المتخذ في حق الأحداث

 هذا المقتضى يجد سنده في الفصول: 467 – 485 - 40 و 49 من قانون المسطرة الجنائية.

فالمشرع نص على وجوب تكليف قاض بالنيابة العامة لتتبع قضايا الأحداث، كما أوجب في المادتين: 40 و 49 المشار إليهما أعلاه على النيابة العامة السهر على تنفيذ أوامر وقرارات قضاة الأحداث والمستشارين المكلفين بالأحداث والهيئات القضائية الأخرى المكلفة بالأحداث.

ونعتقد أن هذه المقتضيات غير مفعلة بالشكل اللازم، فإذا كان أعضاء النيابة العامة يتفقدون المعتقلين الاحتياطيين فإنهم ناذرا ما يتفقدون الأحداث بالمؤسسات التربوية وإذا ما زاروها فإن هذه الزيارة تكون شكلية فقط ولا تهتم بالعمل التربوي العلاجي المتخذ في حق هؤلاء الأحداث وأخذ الملاحظات اللازمة التي يمكن أن تتبلور في صورة ملتمسات لقاضي الأحداث من أجل تغيير التدابير المتخذة إذا ما تبين أنها عديمة الفعالية، فغالبا ما تكتفي النيابة العامة بإبداء ملاحظاتها بمناسبة عرض الملفات كطرف في القضية فقط، وليس كمعنية بتحقيق الهدف الذي توخاه المشرع وهو تأهيل الحدث وإعادة إدماجه، فحتى في حالة الاستعجال التي يعطيها القانون فيها التحرك وتقديم ملتمساتها بتغيير التدبير بالنسبة للأحداث الوافدين من محاكم خارج نفوذ قاضي الأحداث فإنها لا تستعملها تلقائيا، وإنما تتحرك عادة بناء على ملتمس من أولياء الحدث أو المسؤولين بالمؤسسات التربوية.

إن عمل القاضي في تتبع الحدث وفق ما تم رصد بعض مظاهره أعلاه من أجل بلوغ الهدف الذي ينشده المشرع والمتمثل في تأهيل الحدث وعلاجه سترشد فيه القاضي بمجموعة من المبادئ وأهمها على الإطلاق موضوع المحور التالي.

No comments :

اضافة تعليق

الرجاءالتعليق باللغة العربية الفصحى

page

جميع الحقوق محفوظة © 2013 مدونة القانون المغربي
تصميم : يعقوب رضا