Friday, January 11, 2013

دراسة في القانون: إصلاح القضاء واستقلاله


لا يمكن الحديث عن إمكانية إصلاح القضاء وضمان استقلاله  دون الحديث عن مستجدات الدستور الحالي خاصة الباب المتعلق بالسلطة القضائية، والذي يفرض علينا استحضار مجموعة من الآليات والوسائل التي تم التنصيص عليها لتحقيق المبتغى المذكور، وعلى رأسها التأسيس والانخراط
 في الجمعيات المهنية القضائية،  وبالتالي التمتع بحرية التعبير مع مراعاة روح ومنطوق الدستور الحالي.

على مستوى جمعيات المهن القضائية، نص الفصل111 أنه يمكن للقضاة الانخراط في جمعيات أو إنشاء جمعيات مهنية مع احترام واجبات التجرد واستقلال القضاء طبقا للشروط المنصوص عليها في القانون. وعلى مستوى حرية التعبير بالنسبة إلى لقضاة، نص نفس الفصل المذكور أن للقضاة الحق في حرية التعبير بما يتلاءم مع واجب التحفظ والأخلاقيات القضائية.
وتجدر الإشارة، إلى أن تفعيل مقتضيات الفصول الدستورية أعلاه على أرض الواقع تنصب رغم تعدد وتنوع أصوات القضاء في نفس النهر، طالما أنها تضع اليد على نوع خاص من الجرائم من قبيل الجرائم المالية والاقتصادية نظرا لاستفحال ظاهرة الإفلات من العقاب بالنسبة للمتورطين بشأنها في احترام  تام لمقولة «تنوع الأصوات والعالم واحد»، فهل يمكننا استنتاج أن هذه الممارسات هي بمثابة دعوة غير مباشرة إلى تعديل الفصل 1 من القانون الجنائي الذي ركز على الاضطرابات الاجتماعية  دون الاضطرابات الاقتصادية والثقافية والسياسية، رغم أن الأولى تستغرق الثانية إذا ما استحضرنا روح الفصل وقواعد المحاكمة العادلة التي تعني في السياق الحالي البحث والتحري بشأن جميع الجرائم التي يتورط بخصوصها جميع الشرائح الاجتماعية بما في ذلك الشريحة الاجتماعية المحظوظة، كلما توافرت الشروط لذلك، بغية القضاء على ظاهرة الإفلات من العقاب. إلا أن مقتضيات الفصل1 من القانون الجنائي  تتعارض مع ما ذكر ويعد من قبل البعض توجيه ضمني للإبقاء على ظاهرة الإفلات من العقاب، اعتمادا على قاعدة ملاءمة المتابعة والتي ما زالت تهيء المناخ الملائم لارتكاب الجرائم المالية والاقتصادية للحفاظ على الوضع كما هو خلافا لقاعدة قانونية المتابعة، خاصة أن قضاة النيابة العامة ينتظمون ضمن فرق عمل والذي يتمثل في الفريق المكلف بمهام الضباط السامون والاستنطاق واستقبال الشكايات، ويتعلق  بوكلاء الملك والوكلاء العامون انطلاقا من وحدة النيابة العامة التي تختزل في هيمنة المسؤولين القضائيين. وما يزيد الطين بلة، أن مهامهم ووظائفهم أضحت تتجلى في الضبط القضائي أيضا، وكذا الفريق المكلف بالتكييف وحضور الجلسات ومهام أخرى، وفريق مكلف بالتواصل والإعلام وهم النواب الأولون للسادة وكلاء الملك
والوكلاء العامون وهم من الناحية العملية، رؤساء مصالح كتابة الضبط بالنيابة العامة، وبالتالي فعلى ضوء ما ذكر أعلاه، تظل حرية التعبير التي ينعم بها القاضي ناقصة، وتقتصر فقط على إمكانية التفنن في صياغة الأحكام التي تبقى دون جدوى في ظل واقع النيابة العامة الراهن، والتي يستحيل معها تنفيذ أغلب الأحكام القضائية باستثناء الأحكام التي تنفذ بقوة الواقع أو لكونها لا تتعارض مع مصالح أخرى. وعلى هذا الأساس، فإن حرية التعبير تظل منتجة طالما أنها تنصب على تطوير القانون والعدالة والخوض في قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية ودولة المؤسسات والحداثة.
ومن جهة أخرى، فإن حرية التعبير يتعين اعتبارها من ضمن عناصر السياسة الجنائية طالما أنها تساهم في الوقاية من الجريمة وتنصب على التعرية والكشف والفضح.
وخير دليل على ذلك فإن بعض مساعدي القضاء يلعبون في بعض الأحيان وفي بعض الحالات  دور قضاة النيابة العامة وقضاة الحكم، ويدفعون القضاة الحقيقيين إلى العيش في عالم الردة، و ما يزيد الطين بلة، هو مساندة الكتاب و المثقفين في إطار لجان التضامن بعض المعتقلين، ما يشكل نوعا من التحرش والضغط على الذات القضائية والوجدان القضائي عابثين بدورهم ومتنصلين من وظائفهم الأساسية في المرحلة الراهنة. وعلاوة على ما سبق فإن ما يشجع القضاة على اعتماد حرية التعبير هي مضامين مذكرات الأحزاب السياسية والمركزيات النقابية، التي تم عرضها قبل المصادقة على دستور 2011 والتي دعت إلى وضع متقدم للقضاء خلافا لما هو منصوص عليه في الوقت الراهن.
ومن باب التلخيص وليس الخلاصة، فإن المضايقات التي يتعرض إليها القضاة خلال ممارسة حرية التعبير لا حدود لها، وأن التفكير فيها أيضا لا حدود له مما يجعل بعض ممارسي حرية التعبير لا ينعمون بالحماية  القانونية والقضائية، وخير دليل على ذلك السيرة الذاتية للكاتب الصيني مويان «لا تتكلم»  الذي فاز مؤخرا بجائزة نوبل، فمن لا يملك حماية نفسه لا يمكن أن يملك حماية الآخرين طبقا للرسالات المشفرة التي تحملها كتابات مويان –لا  تتكلم- رغم النقد الذي يتعرض إليه من طرف البعض.

بقلم: عادل فتحي, نائب وكيل الملك بتازة
جريدة الصباح

No comments :

اضافة تعليق

الرجاءالتعليق باللغة العربية الفصحى

page

جميع الحقوق محفوظة © 2013 مدونة القانون المغربي
تصميم : يعقوب رضا