Friday, March 29, 2013

دراسة في القانون: المحاماة والعولمة (1/3)


مثلما تأثر القانون بالعولمة ، فإن المهن القضائية والقانونية لم تنج من تأثير العولمة الاقتصادية، ذلك أن الاستثمارات الأجنبية المتدفقة على الأسواق العذراء بالدول النامية تحتاج لا محالة إلى موثقين ومحامين ملمين بأحكام عقود التجارة الدولية وعقود الاستثمار، عارفين بقواعد القانون الدولي الخاص وبقواعد التحكيم التجاري الدولي وغيره من بدائل حل المنازعات خارج مؤسسة القضاء ، مطلعين على اللغات الحية وعلى أهم ما وصلت إليه تقنيات الاتصال والتواصل؛ من هنا جاءت الإشكالية المحورية التي يعالجها

الموضوع والمتمثلة في مدى تأثير العولمة الاقتصادية على المهن القضائية
والقانونية عموما ومهنة المحاماة على وجه الخصوص، على اعتبار أن مهنة المحاماة هي خدمة قانونية يقدمها المحامي للغير، سواء كان شخصا طبيعيا أو اعتباريا، وطنيا أو أجنبيا.



عرف العالم في نهاية القرن الماضي تحولات مهمة في مراكز القوى أبرزها على الإطلاق الانتقال من الثنائية القطبية الولايات المتحدة الأمريكية – التحاد السوفياتي  إلى أحادية قطبية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية رائدة النظام الليبرالي.
وأصبحت قوة الدولة تقاس ليس بما لديها من قوة عسكرية ولوجيستيكية، وإنمـا بمــا لها من نظام اقتصادي قوي وفاعل في خلق الثروات وتحقيق الرفاه لشعوبها.
ومؤدى هذا أن الولايات المتحدة الأمريكية ومن يدور في فلكها،  أطلت علينا اليوم بمفاهيم اقتصادية جديدة لم تكن مألوفة من قبيل الخوصصة  اقتصاد السوق، العولمة ....
وقد كان من نتائج الليبرالية الاقتصادية التي أصبح يعيشها العالم اليوم أن تم تجاوز السيادة الوطنية للدولة، سيما مع الضغط الاقتصادي  للدول القوية، بحيث أصبحت الدول النامية مرغمة على أن تكون شريكة وأن تركب قطار العولمة وإلا أصبحت متجاوزة.
وقد غذت هذا  الشعور المصادقة على اتفاقية «الكات» بمراكش والانضمام إلى منظمة التجارة العالمية من قبل العديد من الدول وفتح الأسواق في وجه السلع والبضائع والخدمات والرساميل، كل ذلك من أجل خلق اقتصاد حر لا يؤمن إلا بالجودة وقلة التكلفة كمعيارين أصيلين في تحقيق التنافسية الاقتصادية بين المقاولات الوطنية والدولية.
ومن الطبيعي أن يلهث القانون وراء الاقتصاد، ذلك أن العولمة الاقتصادية أدت إلـى عولمة الفكر القانوني، بحيث أصبحت الدول تلجأ إلى مؤسسة الاتفاقيات الدولية من أجل تقريب المسافة بين القوانين الوضعية عبر العالم، فضلا عن الدور الذي تلعبه بعض المنظمات والمعاهد الدولية من قبيل لجنة الأمم المتحدة لتوحيد قانون التجارة الدولية1UNISTRAL – CNUDCCI  والتابعة لمنظمة الأمم المتحدة ، وكذا المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص UNI-DROIT  دون أن ننسى غرفة التجارة بباريس CCI.
وهكذا بدأ يظهر نوع من التقارب بين العائلات القانونية خاصة بين العائلة اللاتينية الجرمانية والعائلة الأنكلوسكسونية، فيما دخلت العائلة الاشتراكية متحف التاريخ القانوني بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
العولمة الاقتصادية وأثرها في عولمة القانون
سنتناول هذا المطلب من خلال فقرتين نتناول في أولهما و بإيجاز تحديد مفهوم العولمة وبعض مظاهرها،  ثم أثرها في عولمة الفكر القانوني.
ماهية العولمة وبعض مظاهرها
العولمة ومعناها جعل العالم يتكلم لغة واحدة في مختلف مناحي الحياة، وهو نتاج فكري خالص للفكر الليبرالي الرأسمالي الذي تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية التي سطع نجمها عقب انهيار الإتحاد السوفياتي رائدة النظام الاشتراكي البائد.
وتقوم العولمة على مبدأين إثنين :
+ جعل العالم قرية صغيرة مفتوحة أمام الجميع بحيث تصير العزلة عن باقي العالم أمرا شبه مستحيل؛
+ حرية تنقل السلع والبضائع والخدمات والرساميل والأشخاص بكـل انسياب وحرية.
وتحقيق هذين المبدأين يستلزم بداهة توفير آليات قانونية كفيلة بالتأقلم مع هذا المفهوم الاقتصادي الجديد، وهو ما أقدمت عليه العديد من الدول خاصة النامية منها، والتي تعاني آثار العولمة بسبب تواضع اقتصادياتها وعدم قدرتها على التنافس كأهم أثر من آثار العولمة الاقتصادية.
أثر العولمة الاقتصادية على عولمة القانون
   يعرف عالم الأعمال حاليا تدخلا متزايدا للقانون وإقبالا مضطردا على القضاء، بحيث أصبحت الحياة الاقتصادية مطبوعة بهذه السمة، وما ذلك إلا نتيجة للعلاقة الجدلية بين الاقتصاد والقانون بارتباط مع الجهاز القضائي المعهود إليه الحسم فيما قد يطرأ من نزاعات بين الفاعلين الاقتصاديين.
وأثر العولمة الاقتصادية على القانون ظاهرة لا تحتاج إلى بيان، ذلك أن الدول النامية ومن بينها المغرب عمدت إلى إدخال تعديلات على ترسانتها القانونية التي لها علاقة بقانون الأعمال، وذلك بهدف تأهيل اقتصادياتها وجعلها قادرة على التنافسية في ظل عولمة متوحشة لا مكان فيها إلا للأقوى.
والعولمة القانونية كإحدى نتائج العولمة الاقتصادية تتم بطريقتين إما المصادقة على الاتفاقيات الدولية وترجيحها على القانون الداخلي في حالة تعارضهما، أو إدخال تعديل على النص القانوني رأسا.
والمغرب قد عمل بالطريقتين معا، ففضلا على المصادقة على مجموعة من الاتفاقيات الدولية وترجيحها على القانون الداخلي في حالة التعارض، نجده قد أدخل تعديلات على ترسانته القانونية المرتبطة بعالم الأعمال، وذلك انطلاقا من العقد الثامن من القرن الماضي أي مباشرة بعد نهجه سياسة التقويم الهيكلي التي فرضت عليه من قبل المؤسسات المالية الدولية من قبيل البنك العالمي وصندوق النقد الدولي والتي أنجزت تقارير- أنذرت وقتها بالسكتة القلبية على حد قول المغفور له الحسن الثاني-  تفيد أن المغرب لئن كان يعاني من صعوبات بشأن تدفق الاستثمار باعتباره المعول عليه الأول لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فإن ذلك يرجع بالأساس للانعدام الأمن القانوني والقضائي الناتج عن شيخوخة الترسانة القانونية وانعدام التخصص على مستوى الممارسة القضائية.
وهكذا أدخلت تعديلات على مجموعة من القوانين كقانون الشركات، مدونة التجارة، قانون حرية الأسعار والمنافسة، قانون مؤسسات الائتمان، مدونة التأمينات، ميثاق المقاولات الصغرى والمتوسطة، مدونة الشغل، قانون الاستثمار أو ما يعرف بالقانون الإطار، التحكيم التجاري الدولي والوساطة الاتفاقية، قانون إحداث المحاكم التجارية، قانون إحداث المحاكم الإدارية ومحاكم الاستيناف الإدارية، قانون المحاماة، قانون المفوضين القضائيين، خطة العدالة إلخ .....
وتجدر الإشارة أن هذه التعديلات كان القصد منها تأهيل الاقتصاد الوطني وجعله قادرا على التنافسية خاصة على المستوى الدولي كأهم أثر من آثار العولمة الاقتصادية

بقلم : ذ/ يونس العياشي, قاض ملحق بوزارة العدل والحريات
دكتور في الحقوق

No comments :

اضافة تعليق

الرجاءالتعليق باللغة العربية الفصحى

page

جميع الحقوق محفوظة © 2013 مدونة القانون المغربي
تصميم : يعقوب رضا