Monday, June 29, 2015

أثر الاجتهاد القضائي على مسودة القانون الجنائي(3/1)

لم يكن الاجتهاد مرحبا به دائما لسيطرة منهج الشرح على المتون في الوسطين الفقهي والقضائي   (3/1)

يعرف الاجتهاد القضائي، بأنه مجموعة من المبادئ المكرسة من قبل الأحكام والمقررات القضائية والتي تتضمن تفسيرا لقاعدة تشريعية موجودة أو وضع قواعد لحكم حالة قانونية تعيش فراغا قانونيا. ويتميز الاجتهاد القضائي بأنه يضمن استمرارية القواعد التشريعية، من خلال ملاءمتها مع الوقائع و النوازل، فالتشريع بما يتميز به من عمومية وتجريد، لا يخصص حلولا فردية لكل النزاعات، وهذا ما يجعل من الاجتهاد  القضائي مصدرا مستقلا ومساويا لباقي مصادر القانون، فهو يخصص القاعدة القانونية، ويقوم بتحيينها، إذ بدونه لا يتمكن التشريع من التوفيق بين خاصيتي الاستقرار والاستمرارية.

إن الاجتهاد القضائي يؤمن للتشريع ملاحقة تطورات المجتمع من خلال تطبيق النصوص القديمة بروح جديدة، وفق ما عبر عنه الفقه الألماني بالاجتهاد القضائي التطوري، كما أنه يساهم في تفسير النصوص الغامضة ويكمل الناقص منها فيصير الاجتهاد القضائي مصدرا مباشرا للقانون. 
 المطلب الأول: مداخل التأثير والتأثر في العلاقة بين القاضي والمشرع
إن ارتباط القانون الجنائي بواقعة الجريمة يجعل مداخل التأثير والتأثر في العلاقة بين القاضي والمشرع كثيرة تعكس علاقة ربط حركية التشريع بالاجتهاد القضائي 
الفقرة الأولى: مداخل تأثير القاضي على المشرع
تتمثل هذه المداخل في العناصر التالية :
- الاجتهاد القضائي مصدر من مصادر التشريع. 
- قاعدة التفسير الضيق للنصوص الجنائية لم تمنع من الدفع. 
- حركية اجتهاد القاضي نحو ملاءمة النصوص للواقع ومسايرة واقع الجريمة وآفاقها، سيما أن تدخل المشرع في هذا المجال يتسم بالبطء النسبي. 
- القاضي ينقل النصوص من واقع الجمود إلى واقع الحركة. 
- كشف سلبيات النصوص الجنائية وعجزها عن مسايرة الواقع المستجد للجريمة وتطورها.  
- النص الجنائي عاجز كلية عن مكافحة صنف معين من الوقائع غير المجرمة. 
- تفسير النص الجنائي سمح بإدخال بعض الوقائع لدائرة التجريم. 
الفقرة الثانية :تأثر المشرع بالاجتهاد القضائي.
يتمثل مضمون التأثير الذي يمارسه التشريع على الاجتهاد القضائي في :
1-التأثير الإيجابي :
- سن نصوص قانونية جنائية تتبنى تفسيرات ومواقف اجتهادات القضاء الجنائي، أي نقل النص من دائرة التفسير القضائي إلى دائرة التنصيص التشريعي.
- سن نصوص قانونية جنائية تتبنى الاجتهاد القضائي الجنائي من زاوية ضبط مدلولات الجريمة وأركانها والتنبيه إلى اختلالات النص العاجزة قانونا واجتهادا عن الانطباق على الواقعة القانونية محل المتابعة.
2- التأثير السلبي : التصحيح التشريعي 
يعكس التصحيح التشريعي نوعا من الارتداد التشريعي على الاجتهاد القضائي بغرض التراجع عنه للتأثير على حماية القاضي للحقوق والحريات، وهذا المسلك التشريعي يعد منتقدا وتجنيا على وظيفة القضاء، وعلى وظيفة المشرع، وكثيرا ما تصدت المحاكم الدستورية المقارنة لمثل هذا الدور السلبي التشريعي.
الفقرة الثالثة: نطاق الاجتهاد القضائي 
إذا كان الاجتهاد القضائي يعد مصدرا من مصدر التشريع، فإنه في المادة الجنائية تحكمه ضوابط قانونية تستهدف حماية الأمن القضائي من خلال :
- عدم تجريم وقائع لا تطولها نصوص التجريم.
- عدم رجعية القانون الجنائي. 
- التفسير الضيق للنصوص الجنائية:عدم جواز استعمال القياس ،محكمة النقض الفرنسية قرار29/6/2005.
- رفع التجريم عن أفعال معينة يوجب التصريح ببراءة المتابعين من أجلها. 
- زوال النصوص الجنائية المؤقتة بمضي أجلها. 
- سقوط الدعاوى العمومية يوجب التصريح بالسقوط. 
- التنازل أو الصلح يضع حدا للمتابعة وتنفيذ العقوبة. 
- إن التشريع متى توقفت حكمته توقف حكمه.
الفقرة الرابعة: الرأي المناهض لاجتهاد القاضي
لم يكن الاجتهاد القضائي مرحبا به دائما لسيطرة منهج الشرح على المتون في الوسطين  الفقهي والقضائي، وندلل على ذلك من المصادر التاريخية، حيث إن مفكري الثورة الفرنسية الذين ألهموا التنظيم الحديث لمؤسسات الدولة، دعوا إلى إلغاء كل دور للاجتهاد القضائي في إنتاج القاعدة القانونية، وبضرورة قصر عمل القاضي على تطبيق مقتضيات التشريع بصورة آلية. وهكذا جاء في كتاب «روح القوانين» لمونتيسكيو قوله: «إن قضاة الوطن ليسوا سوى الفم الذي ينطق بكلمات التشريع، فهم أشخاص لا يمكنهم التخفيف من قوة أو صرامة القانون»، وقد ذهب روبيسبير أبعد من ذلك بتصريحه في البرلمان سنة 1790 «إن كلمة اجتهاد يجب أن تمحى في لغتنا، ففي دولة لها دستور وتشريع فإن اجتهاد المحاكم ما هو إلا قانون».
الفقرة الخامسة: نطاق التفسير المشروع للنصوص الجنائية وفقا للاجتهاد القضائي  
إذا كان الاجتهاد القضائي في المادة الجنائية من الناحية القانونية والنصية يحكمه مبدأ التفسير الضيق، فإنه من الناحية العملية فإن دور القاضي الجنائي كما هو معاين من خلال بحث صيرورة تطوره لا يقل أهمية عن دور القاضي المدني في الاجتهاد والإبداع وتحقيق الحماية المطلوبة .
وهكذا فإن اجتهاد القاضي الجنائي تؤطره الضوابط التالية : 
- ضرورة إعطاء النص الجنائي كل الأبعاد التي أرادها المشرع عند وضع النص إذا كان قد شمله تطور تقني. 
- ضبط النص مع حاجة السياسة الجنائية انطلاقا  من التطور والتقدم التقني”.
- مقبولية التفسير الواسع المطابق لإرادة المشرع، وهي تخرج عن التفسيرات الواسعة والتي تخرج بالنص عن إرادة المشرع. 
- غموض النص :
-الغموض البسيط : من واجب القاضي الجنائي رفعه عندما يكون النص مصاغا بطريقة خاطئة، أو غير صحيحة فتؤثر على المعنى بصورة جذرية. 
- الغموض الكبير: ويكون في حال غياب تحديد واضح للنص، أو في حال استعمال عبارات أو كلمات لها مدلولات واسعة وتحتمل قراءات متعددة، هنا يتوجب على القاضي الاجتهاد في إدراك إرادة المشرع ولا يمكنه التحجج بالتفسير الضيق للنصوص الجنائية، لأنه ملزم بالفصل فيها بالاستعانة بالأعمال التحضيرية، أو بالاعتماد على المبادئ والأصول العامة للقانون، أو المحيط الاجتماعي العام، وغالبا ما يتجه القاضي نحو الحكم بالبراءة تمسكا بالتفسير الضيق. 
الفقرة السادسة- لتغير الدستوري في مفهوم الوظيفة القضائية والقاضي الجنائي والدستور.  
الملاحظ أنه لأول مرة في تاريخ الدساتير المغربية عرف الدستور المغربي لسنة 2011 وظيفة أو رسالة القاضي وذلك بمقتضى الفصل 117 الذي ينص على أن ”يتولى القاضي حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي، وتطبيق القانون“. 
وقد أوجب المشرع الدستوري على القضاة الالتزام بتطبيق القانون بصفة عادلة، وهذا ما يؤكده الفصل 110 من الدستور والذي جاء فيه بأنه «لا يلزم قضاة الأحكام إلا بتطبيق القانون. ولا تصدر أحكام القضاء إلا على أساس التطبيق العادل للقانون. 
ويعتبر الدفاع عن الحقوق والحريات وحمايتها من كل الانتهاكات والتجاوزات التي تمس بها، من أهم الأدوار التي أصبحت تضطلع بها المحاكم.
فالقاضي الجنائي ملزم بتفسير النصوص الجنائية على ضوء المقتضيات الدستورية، لأنه لا يجوز تطبيق أي نص يخالف الدستور، مع مراعاة مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية على التشريعات الوطنية.
المبحث الثاني : مجالات تأثير القضاء على التشريع الجنائي 
إن تفحص مسودة القانون الجنائي يثبت بشكل ملموس مجالات تأثير القضاء على التشريع الجنائي، والتي لم تحظ بالعناية والإشادة على الأقل من خلال إبرازه مصدرا ماديا للمسودة المذكورة، وهو ما أكدته وزارة العدل في تغييبها للاجتهاد القضائي الجنائي عنصرا حاسما وفاعلا في تغيير المنظومة الجنائية والرقي بها إلى آفاق رحبة ومتطورة استجابة لمطلب تكييف العمل القضائي مع الوقائع والتطورات الحديثة والمستجدة.
المطلب الأول : جريمة انتزاع عقار من حيازة الغير
أدخلت المادة 570 من مسودة القانون الجنائي ضمن عناصر الجريمة إلى جانب العنف والخلسة والتدليس القيام بأي عمل يحد من الانتفاع بالحيازة، تماشيا مع اجتهادات محكمة النقض. 
بقلم:  د محمد الهيني   *

* نائب الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بالقنيطرة

No comments :

اضافة تعليق

الرجاءالتعليق باللغة العربية الفصحى

page

جميع الحقوق محفوظة © 2013 مدونة القانون المغربي
تصميم : يعقوب رضا